دنيا ودين

الصحابى الذى نزل الرسول ببيته عندما دخل المدينة مهاجرا؟

الصحابى الذى نزل الرسول ببيته عندما دخل المدينة مهاجرا؟ عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة ممتطيا ظهر ناقته مختتما رحلة هجرته الظافرة، ومستهلا أيامه المباركة فى دار الهجرة، سار وسط الجموع الحاشدة التى كانت فى استقباله، تزاحم الناس حول زمام ناقة الرسول كل يريد أن يستضيف رسول الله.

ومر الموكب على دار بني سالم بن عوف، فاعترضوا طريق الناقة قائلين: يا رسول الله، إقامتك عندنا، فلدينا العدد والعدة والمنعة. ويجيبهم الرسول وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة: خلوا سبيلها فانها مأمورة.

ويبلغ الموكب دور بني بياضة، فحيّ بني ساعدة، فحي بني الحارث بن الخزرج، فحي عدي بن النجار، وكل بني قبيل من هؤلاء يعترض سبيل الناقة، وملحين أن يسعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بالنزول في دورهم، والنبى صلى الله عليه وسلم يجيبهم وعلى شفتيه ابتسامة شاكرة: خلوا سبيلها فانها مأمورة.

لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للمقادير اختيار مكان نزوله، حيث سيكون لهذا المنزل جلاله، ففوق أرضه سينهض المسجد الذى تنطلق منه الى الدنيا بأسرها كلمات الله ونوره، والى جواره ستقوم حجرات زوجات الرسول، ليس بها من متاع الدنيا سوى كفاف، سيسكنها رسول جاء ليهدى البشرية جاء لهدى البشرية.

نعم كان الرسول عليه الصلاة والسلام ممعنا في ترك هذا الاختيار للقدر الذي يقود خطاه. ومن اجل هذا، ترك هو أيضا زمام ناقته وأرسله، فلا هو يثني به عنقها ولا يستوقف خطاها.. وتوجه الى الله بقلبه، وابتهل اليه بلسانه: اللهم خر لي، واختر لي.

وأمام دار بنى مالك بن النجار بركت الناقة.. ثم نهضت وطوّفت بالمكان، ثم عادت الى مبركها الأول، واستقرت في مكانها ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم للدخول.

كان هذا السعيد الموعود الذي بركت الناقة أمام داره، وصار الصحابى الذى نزل الرسول ببيته ضيفا، ووقف أهل المدينة جميعا يغبطونه على حظوظه الوافية؟

انه أبو أيوب الأنصارى خالد بن زيد، حفيد مالك بن النجار الصحابى الذى نزل الرسول ببيته .

لم يكن هذا أول لقاء لأبى أيوب مع رسول الله.

فمن قبل، وحين خرج وفد المدينة لمبايعة الرسول في مكة تلك البيعة المباركة المعروفة بـ بيعة العقبة الثانية.. كان أبو أيوب الأنصاري بين السبعين مؤمنا الذين شدّوا أيمانهم على يمين الرسول مبايعين، مناصرين.

والآن رسول الله يشرف المدينة، ويتخذها عاصمة لدين الله، فان الحظوظ الوافية لأبي أيوب جعلته الصحابى الذى نزل الرسول ببيته وهو أول بيت يسكنها المهاجر العظيم، والرسول الكريم.

الصحابي الذي سمع النبي صوت نعليه في الجنة ليلة المعراج.. من هو؟

ولقد آثر الرسول أن ينزل في دورها الأول.. ولكن ما كاد أبو أيوب يصعد الى غرفته في الدور العلوي حتى أخذته الرجفة، ولم يستطع أن يتصوّر نفسه قائما أو نائما، وفي مكان أعلى من المكان الذي يقوم فيه رسول الله وينام.!

وراح يلح على النبي ويرجوه ان ينتقل الى طابق الدور الأعلى فاستجاب النبي لرجائه.

ولسوف يمكث النبي  مع الصحابى الذى نزل الرسول ببيته حتى يتمّ المسجد، وبناء حجرة له بجواره.

ومنذ بدأت قريش تحارب الاسلام وتشن غاراتها على المدينة، وتؤلب القبائل، وتجيش الجيوش لتطفئ نور الله.

منذ تلك البداية، واحترف أبو أيوب صناعة الجهاد في سبيل الله.

ففي بدر، وأحد والخندق، وفى كل المشاهد والمغازي، كان البطل هناك بائعا نفسه وماله لله رب العالمين..

وبعد وفاة الرسول، لم يتخلف عن معركة كتب على المسلمين أن يخوضوها، مهما يكن بعد الشقة، وفداحة المشقة.

كان شعاره الذي يردده دائما، قول الله تعالى: انفروا خفافا وثقالا.

مرة واحدة.. تخلف عن جيش جعل الخليفة أميره واحدا من شباب المسلمين، ولم يقتنع أبو أيوب بامارته.

مرة واحدة لا غير.. مع هذا فان الندم على موقفه هذا ظل يزلزل نفسه، ويقول: ما عليّ من استعمل عليّ؟ ثم لم يفته بعد ذلك قتال.

كان يعيش جنديا في جيش الاسلام، يقاتل تحت رايته، ويذود عن حرمته.

ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية، وقف مع علي في غير تردد، لأنه الامام الذي أعطي بيعة المسلمين.. ولما استشهد وانتهت الخلافة لمعاوية وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة، الصامدة التقية لا يرجو من الدنيا سوى أن يضل له مكان بين صفوف المجاهدين..

وهكذا، لم يكد يبصر جيش الاسلام يتحرك صوب القسطنطينية حتى ركب فرسه، وحمل سيفه، وراح يبحث عن استشهاد عظيم طالما حنّ اليه واشتاق.. وفي هذه المعركة أصيب.

وذهب قائد جيشه ليعوده، وكانت أنفاسه تسابق أشواقه الى لقاء الله. فسأله القائد، وكان يزيد بن معاوية: ما حاجتك أبا أيوب”؟

لقد طلب من يزيد، اذا هو مات أن يحمل جثمانه فوق فرسه، ويمضي به الى أبعد مسافة ممكنة في أرض العدو، وهنالك يدفنه، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره، فيدرك آنئذ أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز.!

ولقد أنجز يزيد وصيّة أبي أيوب. وفي قلب القسطنطينية، وهي اليوم اسطانبول، ثوى جثمان رجل عظيم، جدّ عظيم.!

وحتى قبل أن يغمر الاسلام تلك البقاع، كان أهل القسطنطينية من الروم، ينظرون الى أبي أيوب في قبره نظرتهم الى قدّيس.

وانك لتعجب اذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع ويقولون:

وكان الروم يتعاهدون قبره، ويزورونه.. ويستسقون به اذا قحطوا.!

وعلى الرغم من المعارك التي انتظمت حياة أبي أيوب، والتي لم تكن تمهله ليضع سيفه ويستريح، على الرغم من ذلك، فان حياته كانت هادئة، نديّة كنسيم الفجر.

ذلك انه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا فوعاه: واذا صليت فصل صلاة مودّع.. ولا تكلمن الناس بكلام تعتذر منه.. والزم اليأس مما في أيدي الناس.

وهكذا لم يخض في لسانه فتنة..

ولم تهف نفسه الى مطمع..

وقضى حياته في أشواق عابد، وعزوف مودّع..

كان يؤمن بالنصر، وكان يرى بنور بصيرته هذه البقاع، وقد أخذت مكانها بين واحات الاسلام، ودخلت مجال نوره وضيائه.

من هو أول صحابى مات ودفن في البقيع بالمدينة المنورة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق